فخر الدين الرازي

71

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة الله عليه : النهي في المعاملات يدل على البطلان ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يدل عليه ، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه : الأول : أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى ، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الانسان وكيلا في بعض التصرفات ، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع ، فإذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى . وثانيها : أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود ، وإما أن لا تكون فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة . والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود ، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها ، قياسا على التصرفات الصحيحة ، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد ، فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين . فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال ، وثالثها : أن قوله : لا تبيعوا الدرهم بدرهمين ، كقوله : لا تبيعوا الحر بالعبد ، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول ، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيداً للحكم والله أعلم . المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمة الله عليه ، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : ثابت ، احتج أبو حنيفة بالنصوص : أولها : هذه الآية ، فان قوله : * ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي ، سواء حصل التفرق أو لم يحصل . وثانيها : قوله : * ( أوفوا بالعقود ) * فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه . وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع ، فوجب أن يحصل الحل . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : " من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه " جوز بيعه بعد القبض ، وخامسها : ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان ، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان ، ولم يشترط فيه الافتراق . وسادسها : قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق ، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد . واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص ، لكنه يقول : أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه ، فنحن أيضاً نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا " وتأويلات أصحاب